السيد صادق الموسوي

172

تمام نهج البلاغة

في مَنَاقِبَ لَوْ ذَكَرْتُهَا لَعَظُمَ بِهَا الِارْتِفَاعُ ، فَطَالَ لَهَا الِاسْتِمَاعُ . وَلَئِنْ تَقَمَّصَهَا دُونِيَ الأَشْقَيَانِ ، وَنَازَعَاني فيمَا لَيْسَ لَهُمَا بِحَقٍّ ، وَرَكِبَاهَا ضَلَالَةً ، وَاعْتَقَدَاهَا جَهَالَةً ، فَلَبِئْسَ مَا عَلَيْهِ وَرَدَا ، وَلَبِئْسَ مَا لأَنْفُسِهِمَا مَهَّدَا . يَتَلَاعَنَانِ في دُورِهِمَا ، وَيَبْرَأُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صاَحبِهِِ ، يَقُولُ لقِرَينهِِ إِذَا الْتَقَيَا : يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ( 1 ) . فيَجُيبهُُ الأَشْقى عَلى وثُوُبهِِ : يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا . لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا ( 2 ) . فَأَنَا الذِّكْرُ الَّذي عنَهُْ ضَلَّ ، وَالسَّبيلُ الَّذي عنَهُْ مَالَ ، وَالإيمَانُ الَّذي بِهِ كَفَرَ ، وَالْقُرْآنُ الَّذي إيِاّهُ هَجَرَ ، وَالدّينُ الَّذي بِهِ كَذَّبَ ، وَالصِّرَاطُ الَّذي عنَهُْ نَكَبَ . وَلَئِنْ رَتَعَا فِي الْحُطَامِ الْمُنْصَرِمِ ، وَالْغُرُورِ الْمُنْقَطِعِ ، وَكَانَا مِنْهُ عَلى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ لَهُمَا عَلى شَرِّ وُرُودٍ ، في أَخْيَبِ وُفُودٍ ، وَأَلْعَنِ مَوْرُودٍ ، يَتَصَارَخَانِ بِاللَّعْنَةِ ، وَيَتَنَاعَقَانِ بِالْحَسْرَةِ ، مَا لَهُمَا مِنْ رَاحَةٍ ، وَلَا عَنْ عَذَابِهِمَا مِنْ مَنْدُوحَةٍ . إِنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَزَالُوا عُبّادَ أَصْنَامٍ ، وَسَدَنَةَ أَوْثَانٍ ، يُقيمُونَ لَهَا الْمَنَاسِكَ ، وَيَنْصِبُونَ لَهَا الْعَتَائِرَ ، وَيَتَّخِذُونَ لَهَا الْقُرْبَانَ ، وَيَجْعَلُونَ لَهَا الْبَحيرَةَ وَالْوَصيلَةَ وَالسّائِبَةَ وَالْحَامَ ، وَيَسْتَقْسِمُونَ بِالأَزْلَامِ ، عَامِهينَ عَنِ اللّهِ - عَزَّ ذكِرْهُُ - ، حَائِرينَ عَنِ الرَّشَادِ ، مُهْطِعينَ إِلَى الْبِعَادِ . قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ ، وَغَمَرَتْهُمْ سَوْدَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَرَضَعُوا جَهَالَةً ، وَانْفَطَمُوا ضَلَالَةً ، فَأَخْرَجَنَا اللّهُ إِلَيْهِمْ رَحْمَةً ، وَأَطْلَعَنَا عَلَيْهِمْ رَأْفَةً ، وَأَسْفَرَ بِنَا عَنِ الْحُجُبِ نُوراً لِمَنِ اقتْبَسَهَُ ، وَفَضْلًا لِمَنِ اتبَّعَهَُ ، وَتَأْييداً لِمَنْ صدَقَّهَُ ، فَتَبَوَّؤُوا الْعِزَّ بَعْدَ الذِّلَةِ ، وَالْكَثْرَةَ بَعْدَ الْقِلَّةِ ، وَهَابَتْهُمُ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ ، وَأَذْعَنَتْ لَهُمُ الْجَبَابِرَةُ وَطَوَاغيتُهَا ، وَصَارُوا أَهْلَ نِعْمَةٍ مَذْكُورَةٍ ، وَكَرَامَةٍ مَيْسُورَةٍ ، وَأَمْنٍ بَعْدَ خَوْفٍ ، وَجَمْعٍ بَعْدَ كَوْفٍ . وَأَضَاءَتْ بِنَا مَفَاخِرُ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانٍ ، وَأَوْلَجْنَاهُمْ بَابَ الْهُدى ، وَأَدْخَلْنَاهُمْ دَارَ السَّلَامِ ، وَأَشْمَلْنَاهُمْ ثَوْبَ الإيمَانِ ، وَفَلَجُوا بِنَا فِي الْعَالَمينَ . وَأَبْدَتْ لَهُمْ أَيّامُ الرَّسُولِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ آثَارَ الصّالِحينَ ، مِنْ حَامٍ مُجَاهِدٍ ، وَمُصَلٍّ

--> ( 1 ) الزخرف ، 38 . ( 2 ) الفرقان ، 28 و 29 .